Thursday, November 12, 2015

فرخ البطِّ القبيح


ما أجملَ الريف! كان ذلك في وقت الصيف. وكان القمح أصفر والشوفان أخضر، والتبن مكومًا في المروج الخضراء، وطائر اللقلق يمشى في خيلاء على ساقيه الطويلتين الحمراوين؛ يتكلم باللغة المصرية، وهي اللغة التي تعلمها على يد أمه. وكانت الحقول والمروج تحفها غابات كثيفة، وفي وسط الغابات تقع بحيرٌة عميقة. أجل؛ كانت الطبيعة جميلة في الريف حقا! وكانت أشعة الشمس الدافئة تسقط على بيتٍ ريفي عتيقٍ تحيط به قنوات عميقة. ومن الجدران إلى حافة الماء؛ نبتت أوراق كبيرة لنباتات "رأس الحمامة". وكانت عالية جدا؛ لدرجة أنه كان في وسع الأطفال أن يقفوا بينها منتصبين؛ دون أن يراهم أحد. وكان هذا المكان موحشًا مقفرًا؛ مثل أشد الأجزاء كثافة في الغابة، ولهذا اختارت بطٌة أن تبنى عشها هناك، وكانت ترقد على بيضها. ولكن البهجة التي كانت تستشعرها في أول الأمر زالت الآن؛ لأنها ظلت هناك فترة طويلة. وكان لا يتردد عليها إلا القليل من الزوار؛ لأن البطات الأخرى كانت تفضل أن تسبح في القنوات على أن تصعد إلى الضفاف الزلقة وتثرثر معها.

وأخيرا؛ بدأ البيض يفقس، وأخذت رؤوس صغيرة تظهر؛ واحدًة بعد الأخرى. وقالت البطة: "كاك كاك!". فنهض الجميع بقدر ما استطاعوا، ونظروا في حذرٍ من تحت الأوراق الخضراء. وقالت البطات الصغيرات: "ما أوسع العالم!"؛ فقالت الأم: "أتعتقدون أن هذا هو العالم بأسره؟ إنه يمتد بعيدًا وراء الجانب الآخر من الحديقة إلى حقل الفلاحين، ولكنني لم أذهب قط إلى هناك. هل أنتم جميعًا هنا؟"، ثم نهضت وقالت: "لا؛ إنني لا أجدكم جميعًا هنا؛ فأكبر بيضةٍ لا تزال هناك، وإنني لأتساءل إلى متى يستمر هذا؟ لقد ضجرت منها". ثم رقدت عليها مرًة أخرى.

 

وسألت بطٌة عجوز؛ كانت قد أتت لزيارتها: "حسنًا؛ إلى أي مدى تتقدمين في هذا الأمر؟". فقالت الأم: "إن هذه البيضة لا تزال تحتجزنى وقتًا طويلا، وهي لا تفقس، ولكن ينبغى أن تري الأخريات. إنها أجمل بطيطاتٍ رأيتها في حياتى".  فقالت البطة العجوز: "لكِ أن تصدقى هذا. إنها بيضة دجاجةٍ روميةٍ. لقد خدعتِ أنا نفسى يومًا بالطريقة ذاتها، ولقيت كثيرًا من المشقة في تربية البطات الصغيرات؛ فقد كانت تخاف من الماء؛ لدرجة إنني لم أستطع أن أحملها على الاقتراب منه، وناديتها، ونهرتها، ولكن هذا كله كان بدون جدوى. ولكن دعينى أرى البيضة. آه؛ أجل؛ إنها يقينًا بيضة دجاجةٍ روميةٍ؛ فدعيها، وهيا علمى البطات الصغيرات الأخريات كيف تعوم". فقالت البطة: "سأرقد عليها لمدةٍ قليلةٍ أخرى. فقد رقدت عليها لمدةٍ طويلةٍ جدا، ويوم أو يومان لن يفرقا كثيرًا". فقالت البطة العجوز: "ليس هذا من شأنى". وسارت بعيدًا؛ وهي تترنح.

وأخيرًا؛ فقست البيضة الكبيرة. وقال فرخ البط الصغير: "بيب. بيب!"، وخرج وهو يتعثر. ولكن؛ أواه؛ كم هو كبير وقبيح! فتطلعت إليه البطة وقالت: "هذا مخلوق كبير قوى البنية، وليس بين أفراخ البط الأخرى شبيه به على الإطلاق. أيمكن أن يكون ديكًا روميا صغيرًا؟ حسنًا؛ سنعرف هذا حالا. إن عليه أن يذهب إلى الماء، وإن كان علي أن أدفعه بنفسى للنزول فيه".

وفي اليوم التالي؛ كان الطقس جميلا، وكانت الشمس ترسل أشعتها الدافئة إلى كل أوراق الأشجار الخضراء؛ عندما انطلقت البطة الأم مع أسرتها إلى القناة، وتطاير الرذاذ، ونزلت إلى الماء وصرخت: "كاك. كاك!"، وأخذت البطات الصغيرات تقفز إلى الماء واحدًة بعد الأخرى حتى غمر الماء رؤوسها، ولكنها كلها طفت من جديدٍ، وسبحت بسهولهٍ تامةٍ. كانت كلها هناك؛ حتى فرخ البط الرمادى القبيح؛ كان يسبح مع الباقيات.

وقالت البطة الأم: "لا؛ إنه ليس ديكًا روميًا. ألا ترون كيف يحرك ساقيه برشاقةٍ! وكيف يقف منتصبًا!. إنه طفلى،

وهو جميلٌ حقا؛ عندما يتطلع إليه المرء عن قربٍ. كاك! كاك! والآن؛ هيا تعال معى فسآخذك إلى العالم، ولكن عليك

أن تسير بالقرب منى، وإلا ربما يدوسك أحد. واحترس من القطة". وعندما أتوا إلى حظيرة البط؛ كانت هناك أسرتان

تتنازعان رأس ثعبانٍ سمكٍ، فازت به في آخر الأمر قطٌة. وقالت البطة الأم، وهي تشحذ منقارها؛ لأنها كانت أيضًا

مغرمة بثعبان السمك المشوى: "انظروا يا أولادى؛ تلك هي الطريقة المتبعة في الدنيا". وقالت: "هيا؛ استخدموا سيقانكم،

وسيروا معًا". وانحنوا للبطة التي ترونها هناك. إنها أنبل البط قاطبة، وهي من نسلٍ إسبانى، وهذا هو السبب في

مظهرها الوقور، وسلوكها الجليل. وانظروا؛ إن على ساقها خرقة حمراء وهي تعتبر شارة خاصة تدل على مكانتها

الرفيعة، وهي أعظم شرفٍ يمكن أن تحظى به بطٌة". تطلعت إليهم البطات الأخريات اللاتى كن في الساحة،

وقلن بصوتٍ عالٍ: "إن علينا أن ننظر فقط! فالآن لدينا ذريٌة أخرى؛ كأنه لم يكن هناك منا عددد كافٍ فعلا، وتبا له! ما

أقبحه! إننا لن نطيق وجوده معنا". وفي الحال طارت إحدى البطات، وعضته في عنقه.

فقالت الأم: "دعوه وشأنه. إنه لا يؤذى أحدًا".

 "نعم؛ ولكنه ضخم الجسم جدا، وقبيح المنظر".

فقالت البطة العجوز التي تضع خرقة حمراء حول ساقها: "هؤلاء أولاد ظرفاء لتلك الأم الطيبة. وكل واحدٍ منهم

جميلٌ؛ ما عدا فرخ البط الذي لا يحظى يقينًا بأي عطفٍ على الإطلاق. وإنني لأود أن تعمل أمه على إصلاح شكله قليلا".

فقالت الأم: "إنه بلا شك ليس وسيمًا، ولكنه طفلٌ طيب جدا، ويحسن السباحة مثل الأخريات؛ بل إنه في الحقيقة أحسن

منها. وأعتقد أنه في حينه سوف ينمو مثل الأخريات. ومن يدرى؛ لعله يبدو أصغر منها"، وربتت على عنق فرخ البط،

وسوت ريشه المهوش. وأردفت تقول: وفضلا  عن هذا؛ فإنه يشبه ذكر البط، وأعتقد أنه سوف يكون قويًا، وأنه سوف

يشق طريقه في الحياة". وقالت البطة العجوز: "إن البطات الأخريات جميلا ت جدا. أرجوكم؛ اعتبروا أنفسكم في بيتكم،

وإذا وجدتم رأس ثعبان سمكٍ؛ فأحضروه  لى".

ووفقًا لهذا؛ أخذوا يتصرفون بلا كلفةٍ؛ كما لو كانوا في بيتهم. ولكن فرخ البط المسكين الذي كان آخر من خرج من

قشرة البيضة، والذي كان قبيحًا جدا تعرض للعض والنقر والإيذاء من البط والدجاج على السواء. وأخذ الديك الرومى

الذي خرج إلى العالم بمهاميز؛ ينفخ أوداجه، وخال نفسه إمبراطورًا؛ فنفخ جسمه مثل سفينةٍ ناشرةٍ أشرعتها، وسار

إلى فرخ البط الصغير؛ وقد احمر من الغضب. وكان المخلوق المسكين الضئيل لا يكاد يعرف ما ينبغى أن يفعل،

وانتابه الحزن والأسى؛ لأنه كان قبيحًا جدا. وهكذا؛ مضى اليوم الأول، وساءت الأمور بعد ذلك، وازدادت سوءًا. فحتى

إخوانه وأخواته تصرفوا معه بغلظةٍ، وكانوا يقولون باستمرارٍ: "فلتأخذك القطة؛ أيها المخلوق التافه القبيح!".

وقالت أمه إنها ودت لو أنه لم يولد قط. وعضته البطات، ونقرته الدجاجات، وركلته الفتاة التي كانت تطعم الطيور؛

فجرى مخترقًا السياج؛ ففزعت الطيور الصغيرة في الشجيرات، وطارت مبتعدًة.

قال فرخ البط لنفسه: "لقد حدث ذلك لإنني قبيح"، وظل يجرى. وأخيرًا؛ انثنى إلى مستنقعٍ متسعٍ كانت تعيش فيه

بعض البطات البرية. وهناك؛ رقد طوال الليل؛ وهو يحس بتعبٍ شديدٍ، ويخامره الحزن والأسى. وفي الصباح؛ طارت

البطات البرية، وعندئذٍ رأت رفيقها الجديد؛ فسألت: "بربك من أنت؟"؛ فحياها فرخ البط بأدبٍ جم بقدر ما استطاع.

وقالت البطات البرية: "إنك حقا قبيح جدا، ولكن هذا لا يهمنا كثيرًا؛ ما دمت لا تريد أن تتزوج من أسرتنا". يا للمخلوق

المسكين! إنه لم يفكر قط في الزواج؛ إذ كان كل ما يتمناه هو أن يستلقى بين القصبات، ويشرب من ماء المستنقع.

وهناك؛ أقام يومين كاملين. وفي اليوم الثالث؛ أتت وزتان بريتان أو بالأحرى فرخا وز؛ لأنهما لم يكونا قد خرجا من

قشرتى بيضتيهما منذ فترةٍ طويلةٍ، وهذا هو السبب في وقاحتهما، وقالا: "أنت يا هذا؛ إنك قبيح جدا؛ لدرجة أننا

نحبك؛ فهل لك أن تذهب معنا، وتصبح طائرًا جوالا هناك على المستنقع الآخر؟ وهو لا يبعد كثيرًا عن هذا المستنقع؛

حيث بعض الوزات البرية العزيزة الحلوة؛ وهي مخلوقات ظريفة. إنها فرصة تتيح لك أن تحصل على زوجةٍ؛  فقد

تكون محظوظًا؛ بالرغم من أنك على هذه الدرجة من القبح".

وانطلق الرصاص من بندقيةٍ بفرقعةٍ! فسقط فرخا الوز صريعين بين القصبات. وانطلق الرصاص من بندقيةٍ أخرى! فطار سرب كامل من الوز البري من بين نباتات الأسلِ. وسمع الصوت المزعج نفسه مرًة  ثانية ومرة ثالثة. فلقد كانت هناك جماعة من الصيادين جاثمين ببنادقهم في كمين؛ يحيط بالمكان حولهم. بل إن بعضهم كانوا يجلسون على الأشجار التي كانت أغصانها الضخمة تحجب نباتات الأسلِ. واندفعت الكلاب؛ فتطاير رشاش الطين، وانحنت القصبات والنباتات في كل الاتجاهات. وكم اشتد الفزع بفرخ البط المسكين! فأدار رأسه، وفكر في إخفائها تحت جناحه. وفي الوقت نفسه؛ مر بالقرب منه كلب شرس المنظر؛ لسانه يتدلى من فمه، وعيناه ترسلان شررًا تهلع له القلوب. وكان فكاه مفتوحين لأقصى أتساعٍ لهما، ودفع أنفه إلى مسافةٍ قريبةٍ من فرخ البط؛ فظهرت أسنانه الحادة البيضاء، ثم... سمع صوت رشاش، ومضى الكلب... مضى دون أن يمسه بأذى.

تنهد فرخ البط، وقال: "حسنًا! إن علي أن أحمد الله؛ فأنا شديد القبح؛ لدرجة أن الكلب أبى أن يعضني". وعلى هذا رقد ساكنًا لا يبدى حراكًا؛ على الرغم من أن صوت إطلاق الرصاص استمر يسمع وسط القصبات، ولم يتوقف إلا في ساعةٍ متأخرةٍ من النهار. وحتى وقتذاك؛ لم يجرؤ المخلوق التافه المسكين على أن يتحرك، وظل ينتظر بضع ساعاتٍ؛ قبل أن يتطلع حوله، ثم بادر بالابتعاد عن المستنقع بأسرع ما أمكنه. وجرى فوق الحقول والمروج؛ على الرغم من أن الرياح كانت تهب بشدةٍ؛ إلى حد أنه كاد لا يستطيع أن يسير ضدها.

وعندما اقترب المساء؛ وصل إلى كوخٍ صغيرٍ؛ وهو في حالةٍ يرثى لها؛ لدرجة أنه لم يعرف على أي جانب يستلقى، ولهذا ظل واقفًا. ولاحظ أن الباب كان ينقصه إحدى مفصلاته، وأنه يميل بشدةٍ؛ إذ كان الفراغ بينه وبين الجدار واسعًا؛ لدرجةٍ تكفي لأن يمر من خلاله. وبينما كانت العاصفة تشتد أكثر وأكثر؛ زحف داخلا إلى الحجرة.

في هذه الحجرة؛ كانت تعيش امرأٌة عجوز مع قطها ودجاجتها. وكان القط الذي كانت تناديه بابنها الصغير يعرف كيف ينصب ظهره ويهر هريرًا؛ بل إنه كان يعرف كيف يقذف من عينه شررًا؛ عندما يربت أحدهم على فرائه بطريقةٍ مؤلمةٍ. وكان للدجاجة ساقان قصيرتان، ومن ثم؛ سميت باسم الدجاجة ذات الرجلين القصيرتين؛ وكانت تضع بيضًا صالحًا جدا، والمرأة العجوز تحبها كأنها طفلة أنجبتها. وفي صباح اليوم التالي؛ أخذ القط يموء، وأخذت الدجاجة تصدر قأقأًة؛ عندما شاهدا الضيف الجديد. فسألت المرأة العجوز؛ وهي تتطلع حولها: "ماذا بكما؟"؛ وكانت عيناها كليلتين؛ فظنت أن فرخ البط ليس إلا بطة سمينة ضلت طريقها. وقالت: "إن هذا صيد سمين، وسأحصل الآن على بيض بط؛ إذا لم يكن هذا ذكرًا. وما علينا إلا أن ننتظر ونرى". وعلى هذا؛ احتفظت بفرخ البط على سبيل التجربة لمدة ثلاثة أسابيع، ولكن لم يظهر إلى الوجود أي بيضٍ.

وكان القط هو سيد البيت، والدجاجة ربته، واعتادا دائمًا أن يقولا: "نحن والعالم"؛ إذ لم يتصورا أنهما نصف العالم فحسب؛ بل أيضًا النصف الأفضل. وكان فرخ البط يعتقد في احتمال أن يكون له رأي مختلف، ولكن هذا الرأي لن تسمح له الدجاجة بأن يبديه؛ إذ سألته: "أيمكنك أن تضع بيضًا؟".

 "لا".

 "حسنًا؛ إذن؛ فامسك لسانك".

وسأل القط: "أيمكنك أن تنصب ظهرك؟ وهل تستطيع أن تهر هريرًا؟".

 "لا".

 "حسنًا؛ إذن؛ ينبغى ألا يكون لك رأي على الإطلاق عندما يتكلم قوم مرهفو الحس".

ولهذا؛ جلس فرخ البط منزويًا في ركنٍ؛ وهو يشعر بوهنٍ وفتورٍ في عزيمته إلى أن دخل الهواء المنعش، وضوء

الشمس الساطعة من خلال الباب المفتوح؛ فمنحه هذان العنصران رغبة عارمة في أن يسبح، بحيث لم يتمالك نفسه

من أن يقول هذا للدجاجة. فقالت الدجاجة: "ماذا يؤلمك؟ ليس لديك شيء تفعله. ومن ثم؛ فإنك تستغرق في هذه الخيالات!

وعليك؛ إما أن تضع بيضًا، أو تهر هريرًا، وعندئذٍ تنساها".

فقال فرخ البط: "ولكن السباحة ممتعة جدا، وهي ممتعة عندما تغمر المياه رأسكِ وتغوصين إلى القاع". فقالت الدجاجة: "حسنًا؛ إن هذا نوع غريب من المتعة، وأعتقد أنك

لابد أن تكون مخبولا، ولن أحدثك عن نفسى، واسأل القط فهو أعقل مخلوق أعرفه عما إذا كان يحب أن يسبح أو يغوص إلى قاع الماء، واسأل سيدتك! وليس هناك من يفوقها ذكاء ومهارًة: أتعتقد أنها سوف تجد متعة  في السباحة، وفي المياه وهي تغمر رأسها؟".

فقال فرخ البط: "إنكما لا تفهماننى". فقالت: "ماذا! لا نفهمك! إذن فأنت تعتقد أنك أعقل من القط والمرأة العجوز،

ولا أحدثك عن نفسى! لا تتخيل شيئًا مثل هذا يا بنى، وعليك أن تحمد الله على كل ما أبديناه نحوك من كرمٍ وعطفٍ.

ألست تقيم في حجرةٍ دافئةٍ، وألست تتمتع بميزة وجودك في مجتمعٍ يمكنك أن تتعلم منه شيئًا؟ ولكنك ثرثر، والاستماع

إليك أمر مملٌّ. صدقنى؛ إنني أتمنى لك الخير. وأنا أقول لك حقائق لا تسر، ولكن هكذا تظهر الصداقة الحقيقية. تعال

وتحمل مرًة واحدًة مشقة أن تتعلم كيف تهر هريرًا، أو تضع بيضًا".

فقال فرخ البط: "أعتقد إنني سوف أخاطر، وأخرج إلى العالم الواسع".

فقالت الدجاجة: "حسنًا؛ اذهب إذن".

وعلى هذا؛ انطلق فرخ البط مبتعدًا. وسرعان ما وجد ماء، وعام على السطح، وغاص تحته، لكن كل الحيوانات الأخرى تغاضت عنه بسبب قبحه. وأقبل الخريف، وتحولت أوراق الأشجار إلى أوراق صفراء وسمراء، وأمسكت بها الريح، ورقصت حولها. وكان الجو باردًا ، والسحب كثيفة ومثقلة بالبرد أو الثلج، وجلس الغراب على السياج، وأخذ ينعق. وليس من شك أن فرخ البط المسكين لم يكن مرتاحًا جدا.

وذات مساءٍ؛ والشمس تغرب؛ حلق سرب من الطيور الكبيرة من وسط الغابة الصغيرة. ولم يسبق لفرخ البط أن رأي أبدًا أي شيء جميلٍ لهذا الحد من قبل؛ إذ كان ريشها أبيض يبهر الأبصار، وكانت لها أعناق طويلة هيفاء. كانت بجعاتٍ. وأطلقت صيحة فريدة، ونشرت أجنحتها الطويلة الرائعة. وطارت مبتعدة عن هذه الأصقاع الباردة إلى بلادٍ أشد دفئا عبر البحر، وحلقت في ارتفاعٍ عظيم. وكانت مشاعر فرخ البط القبيح غريبة جدا! وقد أخذ يدور ويدور في الماء كما تدور عجلة، ومط عنقه ليتتبعها في طيرانها، وأطلق صرخة عالية غريبة؛ أفزعته هو نفسه. آه! إنه لا يمكن أن ينساها، ولا يستطيع أن ينسى تلك الطيور النبيلة...

تلك الطيور السعيدة! وكان لا يعرف بم يسميها، ولا يعرف إلى أين تطير. ومع ذلك؛ فإنه أحبها حبا لم يعرفه قط لأي

شيء من قبل. ولكنه لم يحسدها؛ فلم يتمن أبدًا أن يكون له مثل هذا الجمال. وسوف يكون راضيًا تمامًا؛ إذا احتمل البط

في حظيرته صحبته.

وكان الشتاء باردًا؛ قارص البرد! وكان على فرخ البط أن يعوم ويدور في الماء؛ حتى لا يتجمد. ولكن في كل ليلةٍ

كانت الدائرة التي يعوم فيها تضيق وتضيق؛ كما كان عليه أن يحسن استخدام ساقيه ليمنع الماء من أن يتجمد كلية.

وأخيرًا؛ أضناه التعب؛ فاستلقى في الثلج، وقد تصلب جسده من البرد.

وفي الصباح الباكر؛ مر به فلاح فرآه، وحطم الثلج بحذائه الخشبى إلى قطعٍ، وحمل معه فرخ البط إلى بيته

لزوجته. وسرعان ما دبت الحياة في فرخ البط. وكان حريا بالأطفال أن يلعبوا معه، لكنه ظن أنهم ارادوا إغاظته. وفي

غمرة رعبه؛ قفز إلى دلو اللبن؛ فتناثر رذاذ اللبن في أرجاء الحجرة؛ فصرخت المرأة الطيبة وضربت يديها في حسرةٍ؛

فطار أولا إلى القصعة التي كان يحفظ فيها الزبد، ثم إلى برميل الحب المجروش، ومنه خرج مرًة أخرى. فصرخت

المرأة وضربته بالملقط، وتسابق الأطفال، وأخذ كل منهم يحاول أن يمسك به. وانطلقوا يضحكون ويصرخون أيضًا.

ومن حسن حظه؛ أن الباب كان مفتوحا على مصراعيه؛ فقفز وسط الشجيرات إلى الجليد المتساقط حديثا واستلقى

هناك كأنه في حلمٍ. ولكن سيكون من المؤلم جدا أن نروى ما تعرض له من مشقةٍ، وما عاناه من تعاسةٍ؛ أثناء الشتاء. لقد

كان مستلقيًا في مستنقعٍ؛ عندما بدأت الشمس ترسل أشعتها الدافئة مرًة أخرى، وكانت القبرات تغرد؛ فقد عاد الربيع

الجميل.

وخفق بجناحيه مرًة أخرى. لقد صارا أقوى مما كانا عليه من قبل؛ فحملاه إلى الأمام بسرعةٍ. وقبل أن يعى تمامًا

ما حدث؛ وجد نفسه في حديقةٍ فسيحةٍ انتصبت فيها أشجار التفاح في أبهي صورةٍ ناضرةٍ، وفيها كانت أشجار الليمون

ترسل شذاها العطر. أواه؛ كم كان كل شيء جميلا، ومفعمًا بنضارة الربيع! وأقبلت من داخل الغابة ثلاث بجعاتٍ

بيضاواتٍ جميلاتٍ. وأخذت تباهي بريشها في اعتزازٍ شديدٍ، وتسبح بمنتهي الرشاقة! وعرف فرخ البط المخلوقات

الجميلة، وتملكه حزن غريب، وقال: "سوف أطير إليها، إلى تلك الطيور الملكية النبيلة! وسوف تقتلنى لأننى؛ وأنا بهذه

الدرجة من القبح؛ أجرؤ على الاقتراب منها، ولكن هذا لا يهم. فأنا أفضل أن ألقى مصرعى بأيديها على أن يعضنى

البط وتنقرنى الدجاجات، وتركلنى الفتاة التي تطعم الطيور، وأتعرض للكثير من المعاناة خلال الشتاء!".

وطار إلى الماء، وسبح نحو المخلوقات الجميلة؛ فرأته وانطلقت بسرعةٍ إلى الأمام لملاقاته. فقال فرخ البط

المسكين: "هيا اقتلونى"، وأحنى رأسه، وهو يتوقع القضاء عليه. ولكن ماذا رأي في الماء؟ رأي تحته أن شكله هو لم

يعد شكل طائرٍ سمينٍ قبيحٍ، وإنما كان شكل بجعةٍ! فلا يهم أن يكون المرء قد ولد في حظيرةٍ للبط؛ إذا كان تفريخه من

فقس بيضة بجعةٍ. وأخذت البجعات الكبرى تسبح حوله، وتربت عليه بمناقيرها؛ فكانت سعادته عظيمة جدا. وكان

هناك بعض الأطفال يجرون في كل جانبٍ من الحديقة، ويلقون بالحب وفتات الخبز في الماء وأصاغرهم يصيحون:

"ها هو ذا طائر جديد". وصرخ الآخرون أيضًا: "نعم؛ لقد جاءت بجعة جديدٌة"، وصفقوا بأيديهم جدلا، وجروا ليخبروا

أباهم وأمهم. وألقى في الماء خبز وكعك، وقال كل أحدٍ: "إن طائر البجع الجديد هو أحسنها؛ فهو صغير جدا وجميلٌ

للغاية" وانحنت أمامه طيور البجع الأكبر سنا؛ فأحس طائر البجع الصغير بالخجل، وأخفي رأسه تحت جناحيه. كان في

قمة السعادة، ومع ذلك؛ لم يكن معجبًا بنفسه؛ لأن ذا القلب الطيب لا يكون معجبًا بنفسه.

وتذكر كيف سخرت منه الطيور، وكيف عاملته بقسوةٍ.  وها هو الآن يسمع كل أحدٍ يقول إنه أجمل طائرٍ، ويفوق كل

الطيور جما ً لا. وأحنت أشجار الليمون أغصانها نحوه، وأرسلت الشمس أشعتها الساطعة الدافئة. فهز ريشه ومط

عنقه الرشيق. وفي غمرة فرحته؛ قال لقلبه: "ما كنت أحلم بمثل هذه السعادة العظيمة؛ عندما كنت فرخ بطٍّ قبيحٍ؛ يقابل

بالاستخفاف والازدراء".

No comments:

Post a Comment