Showing posts with label القبطان عمر عرابي. Show all posts
Showing posts with label القبطان عمر عرابي. Show all posts

Friday, November 13, 2015

الإمامين المحدثين



منذ الصغر، أحببت أنا وإخوتي قراءة التاريخ العربي الإسلامي. وفي عمر الشباب، أعجبت جداً بشخصية الإمامين العظيمين صاحبي الصحيحين "البخاري" و"مسلم". وأقسمت يوماً في قرارة نفسي في حال منّ الله - عزّ وجلّ - عليّ بولدين ذكور، سأسمّي أحدهما بخاري والآخر مسلم (كما يقال طيش شباب).
وكبرت وبقيت الفكرة تراودني. وتزوجت ورزقني المولى عزّ وجلّ بولدين وبنتين ولكني تحت ضغوط "وزارة الداخلية وحاشيتها" لم أستطع أن أوفي بقسمي، وبقي هذا الأمر يحزّ في نفسي ولم يغب عن بالي. ومرّت السنين وكبر الأولاد.
 ومرة من المرات، بينما أنا مسافر على متن سفينتي في طريقي إلى "كيبتاون" في جنوب أفريقيا في عرض المحيط الأطلسي،  تلقيت مكالمة عاجلة من زوجتي على جهاز الاتصال عبر الأقمار الصناعية "الثريا وهذا معناه أن الأمر مهم!

القبطانة زوجتي



وأخيراً نفذت زوجتي وعدها وقررت مرافقتي في إحدى رحلاتي البحرية. ويا ليتها لم تفعل ! للانطلاق من بور سعيد إلى رومانيا علينا العبور بين الجزر اليونانية والتركية حيث المناظر الطبيعية الخلابة. في إحدى الليالي، نامت زوجتي وبقيت مستيقظاً في غرفة القيادة كي نتجنب خطر الاصطدام بجزيرة من تلك الجزر المشعة التي نمر بمحاذاتها.
أبحرنا بمحاذاة تلك الجزر المضاءة بالمصابيح الكهربائية والمحاطة بمياه عميقة جداً. عادة كنت أمر بقربها وعلى مسافة صغيرة نسبياً والحمدلله، نصل بسلام.
ليلتها، إستيقظت زوجتي وصعدت إلى غرفة القيادة المظلمة للإطمئنان علي ووقفت إلى جانبي دون أن أشعر بوجودها بما أنها لم تتفوه بأي كلمة. وفجأة، سمعت صراخاً وعويلاً بالقرب مني. قفزت هلعاً وخوفاً.
"يا أمــــــــــــي". "يا ويلـــــــــــي". "سوف نصطدم بالجزيرة". "سوف نغرق". "لا أريد أن أمــــوت". كانت زوجتي واقفةً تحدق في الجزر وقد لاحظت الأضواء المشعة أمامها واكتشفت قربنا من الجزيرة، ففقدت أعصابها من الخوف ولم تكف عن الصراخ حتى حوّلت وجهة السير وابتعدنا شيئاً فشيئاً عن تلك الجزيرة المخيفة. وانتشر الخبر في السفينة من يومها: القبطان ماشي على رأي "القبطانة".

أبو العبد الطرطوسي

خلال السنوات الأولى من إلتحاقي بالعمل كضابط متمرّن على متن السفن التجارية، تعرّفت على بحّار عتيق مخضرم، طيب القلب، خفيف الظل، يمزح مع الجميع، وفي نفس الوقت يمتاز بجديته بالعمل، وأظهر شجاعة في مواقف كثيرة.
في إحدى جلساتنا المسائية المرحة، تضاحك البحارة وأخبروني أن " أبا العبد" لديه عشرة أولاد. إلتفت إليه، وإذ به يضحك ويحرك رأسه موافقاً لما يقال ويفتح يديه وكأنه يقول : وماذا أفعل؟ هذا نصيبي التعس!
حدث في مرة من الأيام أن وصلت السفينة إلى "طرطوس"، مسقط رأس "أبي العبد". دعاني لزيارة منزله وعائلته في قريته. تقع قريته في جبال طرطوس وإسمها "زمرين"، على ما أذكر. عند وصولنا، كان هناك مجموعة من الأولاد الصغار يلعبون ويقفزون تحت بيته. أطلّت زوجته من نافذة البيت مهنئة بسلامة الوصول، وطلبت منه أن يحضر معه  إبنه "خالد" إلى البيت. وقف أبو العبد ينظر إلى الأطفال وهو يشذب شعر رأسه باحثاً بناظريه عن أصغر أبنائه العشرة. وبعد فترة قصيرة،  إلتقط  أحد الأولاد وحمله على كتفه وأكملنا المشي. وصرخت الزوجة من النافذة، هذا ليس إبنك "خالد" يا أبو العبد! إنه هناك! إنه يرتدي كنزة زرقاء اللون!

مظاهرة نسائية في إيطاليا



في التسعينات من القرن الماضي وصلت بسفينتي إلى إحدى المرافئ الإيطالية. في صباح اليوم التالي، جاءني وكيل السفينة الإيطالي  يحمل بعض الجرائد التي عادة ما تكون باللغة الإنكليزية، وهي من إحدى العادات المتفق عليها عالمياً إكراماً للقبطان واحتفاءًا به. وهكذا يقرأ الصحف ويُلِمَّ بأحوال البلد ويتسلّى بأخبارها. بالمقابل، طلبت له القهوة اللبنانية (التي يحبها الإيطاليون ويدعونها بالقهوة التركية). ألقيت نظرة على الجرائد فإذا بها كلها باللغة الإيطالية.
 أمسكت إحدى الصحف وتصفّحتها على عجلٍ ناظراً إلى الصور داخلها، فإستوقفتني صورة كبيرة الحجم لمظاهرة نسائية. كلهنّ نساء في العقد الثالث والرابع والخامس من أعمارهنّ، أفواههن مفتوحة تدلّ على صراخهنّ وإمارات الغضب ظاهرة على وجوههنّ. لم أفهم شيئاً بالطبع لذلك أريتها للوكيل الذي كان قد بدأ بارتشاف قهوته.
 وسألته: ما القصّة؟
 نظر إلى الصورة وعلت وجهه شبه ابتسامة رزينة وقال لي : معهنّ حق!
 قلت له: إشرح لي فأنا لا أعرف الإيطالية.
 قال لي: هذه مظاهرة أقامتها النساء العاملات للمطالبة ببعض حقوقهنّ.
 أشرت له إلى أكبر يافطة تحملها تلك النسوة وطلبت منه أن يترجمها لي.
 فقال لي هذه اليافطة تخاطب الدولة وتقول لها: أعيدوا إلينا أنوثتنا!
 ودهشت دهشة عارمة لمعرفتي بمدى الحرية التي توصلت إليها وتملكها فعلا النساء الإيطاليات. أعيدوا إلينا أنوثتنا! ليست كرامتنا أو حقوقنا أو وظائفنا أو مرتباتنا أو تعليمنا أو جامعاتنا أو حتى أزواجنا بل " أنوثتنا ".!
هذه قصتي في إيطاليا،  ما رأيكم يا سادة ؟ هل من متعظ؟

في أدغال بنغلاديش



في إحدى رحلاتي البحرية، وصلت إلى مرفأ "شيتاغونغ" في بنغلاديش قادماً من الصين وعلى متن سفينتي عشرين ألف طن من أكياس الإسمنت. بعد مكوثنا هناك لمدة أسبوعين، تمّ تفريغ نصف الكمية من الحمولة ثم توقف العمال عن العمل. وطلبوا مني أن أتوجه إلى مرفأ آخر في بنغلاديش لأفرغ هناك النصف الآخر من الشحنة. كان إسم المرفأ "مونغلا" ولم أكن قد سمعت به قط من قبل، بحثت عنه في الخرائط والكتب البحرية ولم أجد له أثراً.

عندما إستفسرت من المسؤولين إبتسموا و أخبروني أنه  موجود في الأدغال البعيدة الموحشة، على ضفاف نهر في أعماق بنغلاديش. وطمأنونني بأنهم سيرسلون معي شخصاً من أهل البلد هناك كي يرشدني إلى الطريق. فهذا النهر الكبير له متفرعات كثيرة ولو حدث ودخلت بالخطأ إلى إحدى هذه المتفرعات فسيكون مصيري مجهولاً.
وهكذا، إتكلت على الله سبحانه وتعالى وانطلقت بسفينتي الكبيرة إلى ذلك المرفأ لأفرغ العشرة آلاف طن الباقية من أكياس الإسمنت. 

البحّار العائد من الموت المحتّم


هناك حادثة حصلت معي في أعتى البحار، عند رأس الرجاء الصالح في أقصى جنوب أفريقيا– كايب تاون - حيث تلتقي مياه المحيط الأطلسي بمياه المحيط الهندي. وينتج عن هذا التمازج بحر ثائر وأمواج عاتية يصل علوّها أحياناً إلى العشرة أمتار، فترتطم بالسفينة من كل الجهات وبعضها يعلو على مستوى السفينة فتمرّ المياه من فوقها أو من شمالها إلى يمينها أو بالعكس جارفة معها كل شيء يعترض طريقها.

في ذلك الجو العاصف، كنت واقفاً في غرفة القيادة أنظر أمامي إلى حالة البحر. وإذا بي أرى بعضا من البحارة يخرجون ويسيرون على ظهر المركب وهم يحملون بعض الأكياس من بقايا الطعام يريدون رميها في البحر. وقبل أن أخرج إليهم وأصرخ بهم ليعودوا أدراجهم إلى الداخل، إذ بموجة عاتية تمر فوق سطح السفينة فتبتلع أحد البحارة وتجرفه معها إلى البحر. وصعقت لهذا المنظر وأنا أرى ذلك المسكين وهو يغوص في مياه البحر الهائج. أوقفت بسرعة محركات السفينة “supply ship” وقد فقدت الأمل بخلاص هذا الغريق مع محاولته الرجوع إلى السفينة؛ ولكن كان من المستحيل أن يصل إليها بعد أن أبعدته الأمواج عنها. وكنت بدوري لا أستطيع إيقاف السفينة لفترة طويلة خوفاً من إنقلابها. ولكن وكما نقول بالعامية "يللي في إلو عمر ما بتقتلو شدة". لحظات قبل أن أنطلق بالسفينة كانت هناك موجة أخرى تحمل ذلك المسكين وتعيده بقدرة الله إلى السفينة وتنزله عليها دون أن يرتطم بشيء أو يصاب بخدش، كأنه ينزل عبر مصعد كهربائي. وأسرع إليه رفاقه يحملونه إلى الداخل وهو يسعل بسبب ابتلاعه مياه البحر. "سبحان الله" يضع سره في أضعف خلقه. ولم أعرف ما سر هذا الشاب الذي وصل إلى الموت ورجع منه بأعجوبة حتى هو نفسه لم يصدق ما حدث له. هل كان هناك أمّ أو أخت أو زوجة أو والد أو إبن صغير يدعو له في هذه اللحظة الرهيبة؟ ما زلت إلى الآن لا أعلم كيف أفسّر ما حدث!
سبحان الله إنه على كل شيء قدير.

قصتي مع القرد اللعين في تايلاند

في إحدى الرحلات، وصلنا إلى مرفأ بانكوك في تايلند. بعد أن أنهيت المعاملات الرسمية مع السلطات المحلية، صعدت إلى السفينة لأراقب عملية تفريغ البضائع، وإذ برجل عجوز يعرض قروداً صغيرة في أقفاص كبيرة. عندما شاهدني بدأ يتكلم معي بلغة ممزوجة من عدة لغات. أقنعني بشراء قرد جميل بريء، عيناه سوداوان واسعتان، بمبلغ 5 دولارات. فطلبت من أحد بحارتي الفليبينيين أن ينظفه وأن يشتري له قرطاً من الموز وأن يضعه في مكتبي. بقي القرد معي هناك ألاعبه بين الحين والآخر وأشاهد حركاته البهلوانية المضحكة وكيفية تقشيره للموز.
بعد يومين، اضطررت للذهاب إلى سوق المدينة. أغلقت جميع النوافذ، وأقفلت باب المكتب، وتركت القرد هناك. غبت حوالي الساعتين. لما عدت، فتحت الباب فلم أجد القرد في مكانه. بحثت عنه في كل الزوايا وتحت المقاعد، في الأدراج والخزائن والحمام، لكن لم أجد شيئاً.