خلال السنوات الأولى من إلتحاقي
بالعمل كضابط متمرّن على متن السفن التجارية، تعرّفت على بحّار عتيق مخضرم، طيب
القلب، خفيف الظل، يمزح مع الجميع، وفي نفس الوقت يمتاز بجديته بالعمل، وأظهر
شجاعة في مواقف كثيرة.
في إحدى جلساتنا المسائية المرحة، تضاحك
البحارة وأخبروني أن " أبا العبد" لديه عشرة أولاد. إلتفت إليه، وإذ به
يضحك ويحرك رأسه موافقاً لما يقال ويفتح يديه وكأنه يقول : وماذا أفعل؟ هذا نصيبي
التعس!
حدث في مرة من الأيام أن وصلت
السفينة إلى "طرطوس"، مسقط رأس "أبي العبد". دعاني لزيارة
منزله وعائلته في قريته. تقع قريته في جبال طرطوس وإسمها "زمرين"، على
ما أذكر. عند وصولنا، كان هناك مجموعة من الأولاد الصغار يلعبون ويقفزون تحت بيته.
أطلّت زوجته من نافذة البيت مهنئة بسلامة الوصول، وطلبت منه أن يحضر معه إبنه "خالد" إلى البيت. وقف أبو
العبد ينظر إلى الأطفال وهو يشذب شعر رأسه باحثاً بناظريه عن أصغر أبنائه العشرة. وبعد
فترة قصيرة، إلتقط أحد الأولاد وحمله على كتفه وأكملنا المشي. وصرخت
الزوجة من النافذة، هذا ليس إبنك "خالد" يا أبو العبد! إنه هناك! إنه
يرتدي كنزة زرقاء اللون!
كان أبو العبد لا يذكر وجوه أطفاله، فقد
قضى عمره في البحار، ويزور بيته شهراً واحداً في كل سنة. أما بيته، فكان معدماً
وحالته يرثى لها، والفقر بادٍ على محيا
أولاده. لا يملك من زينة الدنيا سوى معاشه الشهري المتواضع وأولاده العشرة : سبع
بنات وثلاثة صبيان.
وقبيل مغادرة السفينة، ودّعت أبا
العبد على أمل اللقاء ولكن لم تسمح لنا الظروف بعدها للقاء من جديد. خلال ترحالي، كنت أسأل عنه دائماً كلما صادفت أحداً من بحارة
طرطوس، فيروون لي ما يعرفون عن أخباره. ومنذ
بضع سنين، علمت أن وضع أبي العبد قد تحسن
حاله. أصبح يسكن في إحدى الفلل في قرية تدعى " ملكة " جانب طرطوس، كذلك
امتلك أولاده وأحفاده شققاً فخمة في أرقى المناطق.
كيف ذلك؟
لقد تعلم "خالد" الابن
الأصغر لديه وعمل في البحر لسنوات عدة. وجمع مالاً من إخوته وأصهرته واشترى مركباً
صغيراً ليعملوا عليه. فاستبدله بسفينة صغيرة، فسفينة أكبر. وهكذا. إلى أن أصبح
"خالد" وعائلته يملكون أكبر أسطول بحري في سوريا وسفنه الحديثة تجوب
البحار. ولديهم مكاتب منتشرة في بلدان عديدة بتوفيق من الله العظيم.
سبحان الله المعطي! هذا التحول بفضل من الله ومن
ثم آخر العنقود الطفل الأصغر " خالد" فلا تقنطوا من رحمة الله سبحانه وتعالى
No comments:
Post a Comment