هناك حادثة حصلت معي في أعتى البحار،
عند رأس الرجاء الصالح في أقصى جنوب أفريقيا– كايب تاون - حيث تلتقي مياه المحيط
الأطلسي بمياه المحيط الهندي. وينتج عن هذا التمازج بحر ثائر وأمواج عاتية يصل
علوّها أحياناً إلى العشرة أمتار، فترتطم بالسفينة من كل الجهات وبعضها يعلو على
مستوى السفينة فتمرّ المياه من فوقها أو من شمالها إلى يمينها أو بالعكس جارفة
معها كل شيء يعترض طريقها.
في ذلك الجو العاصف، كنت واقفاً في
غرفة القيادة أنظر أمامي إلى حالة البحر. وإذا بي أرى بعضا من البحارة يخرجون
ويسيرون على ظهر المركب وهم يحملون بعض الأكياس من بقايا الطعام يريدون رميها في
البحر. وقبل أن أخرج إليهم وأصرخ بهم ليعودوا أدراجهم إلى الداخل، إذ بموجة عاتية
تمر فوق سطح السفينة فتبتلع أحد البحارة وتجرفه معها إلى البحر. وصعقت لهذا المنظر
وأنا أرى ذلك المسكين وهو يغوص في مياه البحر الهائج. أوقفت بسرعة محركات السفينة “supply ship” وقد فقدت الأمل بخلاص هذا الغريق مع محاولته الرجوع إلى السفينة؛ ولكن
كان من المستحيل أن يصل إليها بعد أن أبعدته الأمواج عنها. وكنت بدوري لا أستطيع
إيقاف السفينة لفترة طويلة خوفاً من إنقلابها. ولكن وكما نقول بالعامية "يللي
في إلو عمر ما بتقتلو شدة". لحظات قبل أن أنطلق بالسفينة كانت هناك موجة أخرى
تحمل ذلك المسكين وتعيده بقدرة الله إلى السفينة وتنزله عليها دون أن يرتطم بشيء
أو يصاب بخدش، كأنه ينزل عبر مصعد كهربائي. وأسرع إليه رفاقه يحملونه إلى الداخل
وهو يسعل بسبب ابتلاعه مياه البحر. "سبحان الله" يضع سره في أضعف خلقه. ولم
أعرف ما سر هذا الشاب الذي وصل إلى الموت ورجع منه بأعجوبة حتى هو نفسه لم يصدق ما
حدث له. هل كان هناك أمّ أو أخت أو زوجة أو والد أو إبن صغير يدعو له في هذه
اللحظة الرهيبة؟ ما زلت إلى الآن لا أعلم كيف أفسّر ما حدث!
سبحان الله إنه على كل شيء قدير.
No comments:
Post a Comment