في إحدى رحلاتي البحرية، وصلت إلى
مرفأ "شيتاغونغ" في بنغلاديش قادماً من الصين وعلى متن سفينتي عشرين ألف
طن من أكياس الإسمنت. بعد مكوثنا هناك لمدة أسبوعين، تمّ تفريغ نصف الكمية من
الحمولة ثم توقف العمال عن العمل. وطلبوا مني أن أتوجه إلى مرفأ آخر في بنغلاديش
لأفرغ هناك النصف الآخر من الشحنة. كان إسم المرفأ "مونغلا" ولم أكن قد
سمعت به قط من قبل، بحثت عنه في الخرائط والكتب البحرية ولم أجد له أثراً.
عندما إستفسرت من المسؤولين إبتسموا
و أخبروني أنه موجود في الأدغال البعيدة
الموحشة، على ضفاف نهر في أعماق بنغلاديش. وطمأنونني بأنهم سيرسلون معي شخصاً من
أهل البلد هناك كي يرشدني إلى الطريق. فهذا النهر الكبير له متفرعات كثيرة ولو حدث
ودخلت بالخطأ إلى إحدى هذه المتفرعات فسيكون مصيري مجهولاً.
وهكذا، إتكلت على الله سبحانه وتعالى
وانطلقت بسفينتي الكبيرة إلى ذلك المرفأ لأفرغ العشرة آلاف طن الباقية من أكياس
الإسمنت.
أقبل المساء وبدأت خيوط الشمس تتوارى
وراء تلك الأدغال. ولكن لحسن الحظ، أخبرني الشاب القادم معي أننا نوشك على الوصول.
وبعد نصف ساعة، طلب مني التوقف، فقد وصلنا وأخيراً !
فنظرت من حولي ولم أصدّق! لم يكن
هناك لا مرفأ ولا رصيف ولا أبنية ولا معدّات تفريغ ولا شيء يشير إلى أن هناك
أناساً أو عمراناً في هذا المكان. ونظرت إلى الأسفل حيث مياه النهر الموحلة تجري
بسرعة بفعل عوامل المدّ والجزر، فلم أرَ سوى التماسيح الضخمة متجمعة حول السفينة
لإستقبالنا.
نظرت إلى ذلك الشاب الذي بدا محتاراً
وكأني أسأله أين نحن؟ نعم أين نحن؟ فهمت من نظراته أنه ليس متأكداً بسبب حلول
الليل وعدم وضوح الرؤية. لذلك لم يكن لدينا خيار سوى تمضية الليلة هناك على
السفينة. ليلتها، لم يغمض لي جفن وأنا أتخيل التماسيح والأسود والنمور وكافة
حيوانات تلك الأدغال المخيفة تهجم علينا من كل حدب وصوب، عدا تلك الأصوات الغريبة
وزعيق القرود والطيور التي كانت تأتي من أعماق الأدغال.
أشرقت شمس الصباح ونظرت حول السفينة
وقد إنجلت الرؤية. كان هناك قرية صغيرة على ضفة النهر لم تظهر في الليل بسبب عدم
وصول التيار الكهربائي بعد إلى تلك المنطقة.
رويداً، رويداً، بدأ العمال بالظهور.
كانوا يأتون بمراكب خشبية صغيرة، عبارة عن جذوع أشجار ضخمة محفورة لتتسع لبضعة
أشخاص. امتلأت السفينة بهم وبدأوا بعملية تفريغ بطيئة جعلتني أمكث في هذا المكان
مدة شهر كامل.
بعد بضعة أيام، ألحَّ عليَّ رئيس
العمال، وهو رجلٌ طاعنٌ في السن ومحترمٌ من قبل الجميع، بالذهاب معه لزيارة القرية،
فقبلت على مضض. وركبنا أحد القوارب الخشبية، وعندما وصلنا إلى الشاطئ، كان
بإنتظاري جمهرة من الناس الحفاة العراة، رجالاً ونساءً وأطفالاً. ما إن نزلت من
القارب وتقدمت بضع خطوات حتى ركضوا باتجاهي وكأنهم يشنون هجوماً عليّ، فقفزت أريد
الرجوع إلى القارب، وقد انخلع قلبي من بين أضلعي. وفكرت للحظة أن أرمي بنفسي في
مياه النهر، فقد يكون الموت بين فكي التمساح أرحم من الموت بين أيادي هؤلاء
المتوحشين! ولكن ذلك الرجل أمسكني وأرجعني ضاحكاً وراح يخفف من روعي. وصل إليّ
بعضهم وإذا بهم يمسكون يديّ يقبلونها، ويتلمّسون ملابسي وشعر رأسي، وآخرون
يصافحونني ويبتسمون فرحاً، ويلقون عليّ التحية "السلام عليكم"! ورددت
التحية "وعليكم السلام " وأنا
لا أفهم ما يحصل ونظرت إلى رئيس العمال مستفسراً. وانتظر هذا الاخير حتى خفّت
"الهمروجة" وشرح لي بأن سكان القرية قد سمعوا من العمال عن حضور رجل
عربي مسلم من بلاد الرسول مُحمّد - صلى الله عليه وسلم – يتكلم باللغة العربية،
لغة القرآن الكريم، فجاؤوا يتعرفون عليه ويلقون عليه التحية ويدعونه للصلاة معهم
في المسجد القريب ليؤمّهم في الصلاة وشيخهم ينتظر على باب المسجد. وأخبرني أنني
الرجل المقصود! ولا أخفي عليكم، فقد بكيت من شدّة الفرح وأخذت أقبّل أطفالهم
العراة وأحملهم على ظهري وإنتابني شعور لا يوصف من الحب لهؤلاء المساكين.
ما أعظمك يا حبيبي يا
رسول الله، فقد جمعت العالم من شرقه إلى غربه، برابطة الأخوة والمحبة، والشوق إلى
رؤية نور وجهك الوضّاء!
No comments:
Post a Comment