Sunday, November 22, 2015

الحور العين



كان يوما دراسيا طويلا وشاقا كما أني وقفت مع كثير من زملائي قليل من أصدقائي تكلمنا تضاحكنا صمتنا . بعض من السلامات لا تدوم اكثر من دقيقه، بعدها ننتقل لمكان آخر نجد آخرين تكثر السلامات .. تزداد الكلمات والأحاديث تجد وجوها جديدة .. وجوها مكرره , أوصاف , ملامح , شعارات ,, معان و مضاداتها , تجد كل المتناقضات .المهم أنني أحسست بالإرهاق فأنتقلت لأجلس بالقرب من الاشجار الموجودة لمجرد الراحة لا أكثر استعدادا للمغادرة....

كان معي أحد أصدقائي القدامى يريد أن يستشيرني بشأن موضوع شخصي هام فرحبت به و بدأ في سرد مشكلته كاملة و حين انتهى من كلامه وبدأت أرد عليه لأنصحه برأيي في هذا الموضوع توقف حديثي فجأة أو أن لساني قد شل تماما وظل فمي مفتوحا و حنجرتي ترفض أن تكمل الكلام أو حتى تكمل هذا الحرف الذي توقفت عنده,,, ففي أثناء كلامي معه وقعت عيني عليها هذا ليس بداية إعجاب أو حب كما تتصورون إنما كانت نظرة من ذهول لما رأيت لقد وقع بصري على واحدة من الحور العين...
كانت واقفة امامي مباشرة على الجانب الآخر.. لم تكن تبتسم أو تضحك.. لم تكن تتكلم حتى,,, كانت واقفة تتابع حديث زميلاتها.. راقبت عيناها في محاولة للتمتع أكثر بهاتين العينين.. عيناها سوداوين سواد ليلة غائب عنها القمر تماما.. سواد حالك ليس مخيفا لكنه مطمئن للغاية تنبع فيه كل صفات البراءة الهدوء و الجمال....
سرحت عن صديقي تماما حتي ظن أنني تعرضت لإغمائة أو فقدت الإحساس بالزمان.. إزددت تأملا في هاتين العينين الرائعتين فوجدت كل التناقض من وضوح غموض, سعادة حزن, رزانه شقاوة.
لا أعلم كانت أكثر العيون غموضا........
أتت الفرصة لأرى هذا الوجه الملائكي و هو يتكلم كانت تتكلم وهي قاطبة الجبين عاقدة الحاجبين رغم أنها تبتسم! ضاقت عيناها فملأ السواد عينها كلها فازدادت غموضا ,ضحكت فبانت أسنانها البيضاء المصفوفة بعناية انعكست على عينيها السوداوين ووجهها ذو البشرة البيضاء فازدادت إشراقا....

وظللت لفترة هكذا تائها لا أعلم ماذا أفعل وكلما أنظر أعتقد أن في وجهها مغناطيسا يجذب نظري إليها ولكن حدث ما كنت أخشاه فقد نظرت ناحيتنا ولاحظت حملقتي العجيبة هذه فاندهشت عاقدة حاجبيها أكثر وأنا مازلت أنظر وإن كنت لم أفعل اي شيء أو بمعنى أدق لم استطع أن افعل اي شيء ولكن بعد أن شددت نظراتها نحوي بدأت استفيق رويدا رويدا إلى أن نزل بصري فجاة عنها وكأن المغناطيس قد أزيح عني.. المهم أنني أحسست بما كنت افعله.....
فاخذت صديقي سريعا من هذا المكان و اخذت اسابق الرياح في خطواتي حتى اقتربت من الجري ولما ابتعدنا سألني صديقي لماذا كنت تحملق هناك ولماذا جريت الأن, صمت قليلا مسترجعا ملامح اللحظات السابقة وقلت له وأنا اتنهد وتتسارع انفاسي من أثار هذا المشي السريع (شاهدت واحدة من الحور العين) نظر لي بتعجب لكني وعدته أن أحكي له في وقت آخر و انطلقت في رحلة عودتي للبيت.
في اليوم التالي بعد أن عانيت الامرين من بعض المشاكل الخاصة وقلة أصدقائي في الكلية هذا اليوم قررت أن أنتظر قليلا في نفس المكان.. نعم كنت حزينا و أعاني وزملائي يحاولون التخفيف عني ولكن كل محاولاتهم ذهبت هباءا إلى أن اصطدمت عيني بها مرة أخرى ورميت وجهي ناحية الارض قائلا بتململ ليس مرة ثانية ولكن كلما اتجهت بنظري للأرض أكثر كلما زاد إنجذابي للأعلى بمراحل فقد جاءت اليوم عازمة على تصويب سهامها نحوي ,, ظللت أقاوم كثيرا حتى استسلمت للغرق في عينيها وما أجمله من استسلام.
نفس العين الغامضة الغاضبة لكنها تتبدل في ثانية لتملأها البراءة والوضوح لا أعرف ماذا أفعل وهي تنظر؟ تتعجب تغضب ثم ترضى وتعيد الكرة مرة أخرى وكأنها عملية منظمة مبرمجة تعمل وفقا لحسابات معقدة وتفاصيل دقيقة,,, سبحان الله الخالق.
كنت كلما ذهبت الى الكلية لا أبحث عنها.. ليس بعدا عنها وعدم رغبة في رؤيتها ولكن لأني أجدها دائما حين اتمنى ذلك.. لا أعلم كيف ولكن ذلك ما يحدث ,,,مع مرور الايام أدمنت أن أرى هذه العيون الساحرة وكانت قد تعودت على أن ترى ذلك الشاب الواقف في الجهة الأخرى متأملا
كانت أحيانا تصبح المسألة عندا بيني وبينها فعندما أنظر إليها تدير لي ظهرها وتكلم صديقاتها وعندما تنظر إلي اذهب بعيني إلى مكان زملائي واتمتم, أضحك أو حتى ابتسم لهم دون داعي ,,,كنا عندما تتلاقي العيون يخلق حوارا وتناغما للخصام والعتاب وما أجمله وأبشعه من عتاب يهزني ولكني الى لحد ما تعودت عليه بل وأحيانا أخرى أشتاق إليه....
ولكن هذا الحديث انقطع منذ فترة إذ اصبحت الحور العين قليله في مجيئها وأنا كعادتي أبحث حائرا فقد ادمنت تلك العين فعلا لدرجة لا يمكن تخيلها فمازلت أنظر للمكان التي اعتادت أن تقف فيه بتلقائية ولا إرادية .
بعد شهر من هذه الأحداث عادت الحور العين وعاد اشتياقي للغرق في عينيها ولكني كنت اقاوم بشدة وعندما تنظر إلي تنتظر النظرات الغريبة التي تعودت عليها مني كنت أنظر الى اصدقائي و اصطنع الكلام ,, و إن نظرت إليها أنظر ببرود .. فأنا أريد فعلا أن أفلت من مصيدة تلك العين الآسرة ,, ولكن لم يدم هذا الهروب مني إلا يوما.. نعم لقد انتصرت علي كيف لا ؟! ,, وهي تملك تلك العينين , ففي اليوم التالي حدث نفس التناغم القديم بتتابع متتال  مني ومنها دون ترتيب فقد أصبح جزءا من البرنامج اليومي أقرب إلى الروتين و لكنه بلا ملل!

No comments:

Post a Comment