جلست الأم مع صغيرها مكتئبة خائفة عليه من الموت! كان
شاحباً، وعيناه مغلقتان وكان يجذب نفسه في وهن من آن لآخر، ومن حين لآخر يأخذ
شهيقاً عميقاً كأنما هو يتنهد.. فراحت الأم تنظر بأسى إلى المخلوق الصغير.
ثم دوت طرقة على الباب. ومنه دخل رجل عجوز فقير يلتف
بغطاء ظهر جواد لأنه يبعث الدفء، وكان الرجل بحاجة إليه لأن هذا كان موسم الشتاء
البارد. كل شيء خارج الأبواب كان مغطى بالثلج والجليد وهبت الريح حتى توشك أن تمزق
الوجوه..
إذ ارتجف الرجل برداً ونام الطفل للحظة، نهضت المرأة وصبت
بعض الشراب في وعاء ووضعته على الموقد لتدفئه.. جلس العجوز وهز المهد، فجلست
المرأة تتفحص صغيرها وهو يسحب أنفاسه بقوة. ورفعت يده الصغيرة.
قالت للرجل:
ـ "هل تحسبني لن أستطيع إنقاذه؟ إن الرب سيبقيه
لي!"
كان العجوز هو الموت ذاته، وقد هز رأسه بشكل غريب بما معناه
نعم أو لا. فنظرت المرأة إلى حجرها وجرى الدمع على خديها.. ثقل رأسها فهي لم تغلق
عينيها منذ ثلاثة أيام.. الآن نامت لكن للحظة بعدها استيقظت مجفلة وارتجفت برداً.
قالت:
ـ "ما هذا؟"
ونظرت في كل اتجاه لكن العجوز كان قد رحل. وكان طفلها قد
رحل كذلك.. لقد أخذه معه! وراحت الساعة العتيقة في الركن تطن وتطن.. سقط جزء ثقيل
منها على الأرض فتوقفت.
هناك وسط الجليد جلست امرأة في ثياب سود طويلة وقالت:
ـ "كان الموت في غرفتك، وقد رأيته يجري مع طفلك
الصغير.. إنه أسرع من الريح وهو لا يعيد أبداً ما أخذ!"
قالت الأم:
ـ "فقط قولي لي في أي طريق ذهب .. قولي لي الطريق
وسوف أجده!"
قالت المرأة ذات الثياب السود:
ـ "أنا أعرف .. لكن قبل أن أخبرك يجب أن تنشديني كل
الأغاني التي غنيتها لطفلك.. أنا أحبها.. أنا الليل ولقد سمعتها من قبل ولمحت
الدمع في عينيك وأنت تغنين!"
قالت الأم:
ـ "سأغنيها جميعاً .. جميعاً .. لكن لا توقفيني ..
يجب أن أجد طفلي!"
لكن الليل وقف صامتاً.. من ثم صفقت الأم بيديها وغنت
الكثير ومعه الكثير من الدموع.. ثم قال الليل:
ـ "اتجهي يميناً إلى غابات الصنوبر المظلمة.. هناك
رأيت الموت يذهب مع طفلك.."
تقاطعت الطرق في قلب الغابة، ولم تعد تعرف أين تذهب..
هناك وقفت شجرة شوك لا تجد عليها ورقة ولا زهرة، وكان هذا الشتاء بارداً لذا كانت
هناك رقائق ثلج على غصونها.
قالت الأم:
ـ "ألم ترى الموت يمر من هنا مع طفلي؟"
قالت شجرة الشوك:
ـ "بلى .. لكن لن أخبرك أي طريق سلك ما لم تدفئي
قلبي.. أنا أموت من البرد وسوف أصير قالب ثلج!"
ضمّت الأم شجرة الشوك إلى صدرها بقوة، حتى تبعث فيها
الدفء.. واخترق الشوك لحمها فسال الدم بقطرات كبيرة لكن شجرة الشوك أنبتت أوراقاً
خضراً طازجة، ونبت منها الأزهار. كان قلب الأم الحزينة دافئاً من ثم أخبرتها شجرة
الشوك بالطريق.
وصلت إلى بحيرة كبيرة، حيث لم يكن قارب ولا سفينة.. كانت
متجمدة بالكامل ليس بما يكفي لحملها.. ولم تكن ضحلة بما يكفي لخوضها.. من ثم ركعت
لتشرب من البحيرة.. كان هذا مستحيلاً بالنسبة لبشري لكن الأم الحزينة توقعت معجزة
برغم هذا.
قالت وهي تبكي :
ـ "أوه .. ما الذي أعطيه كي أسترجع طفلي؟"
وبكت أكثر .. غاصت عيناها في البحيرة حتى صارتا لؤلؤتين
ثمينتين.. لكن الماء حملهما لأعلى.. ووجدت المرأة أنها تطير فوق الأمواج إلى
الجانب الآخر حيث كان بيت غريب عريض لا يعرف المرء إن كان جبلاً مليئاً بالغابات
والكهوف، أم أنه مبنى .. لكن البائسة لم تره لأن عينيها تلفتا من البكاء .
وتساءلت :
ـ "أين أجد الموت الذي اختطف طفلي؟"
قالت الحانوتية العجوز المكلفة برعاية صوبة نباتات
الموت:
ـ "لم يأت بعد .. كيف وصلت هنا ومن ساعدك؟"
قالت :
ـ "ساعدني الله .. إنه رحيم وإنني لأرجو أن ترحميني
مثله .. أين أجد طفلي؟"
قالت العجوز :
ـ "لا أعرف .. لقد ذبلت زهور واشجار كثيرة هذه الليلة..
سيعود الموت ليعيد زرعها.. تعرفين أن كل إنسان له نبتة عمره، وهذه النباتات لها
قلوب تنبض.. ابحثي عن قلب طفلك لربما عرفته.. لكن ماذا تعطيني لو أخبرتك بما يجب
أن تعرفيه؟"
قالت الأم الحزينة:
ـ "ليس لدي شيء .. لكنني سأذهب لنهاية العالم من
أجلك!"
قالت العجوز:
ـ "لا.. ليس لدي شيء هناك.. لكن بوسعك إعطائي شعرك
الأسود الطويل .. أنا أحبه! سوف تنالين شعري الأبيض بدلاً منه، وهي ليست صفقة
خاسرة.."
قالت :
ـ "هل من شيء آخر أهبه لك؟"
واعطتها شعرها الأسود الجميل واخذت شعر المرأة الأبيض
كالثلج.
هكذا دخلتا سوية نباتات الموت حيث تنمو النباتات بشكل
غريب على بعضها.. هناك كانت نباتات الحدقية تقف تحت أجراس زجاجية، وهناك نبات عود
الصليب سميك الساق، وكثير من نباتات الماء.. بعضها نضر وبعضها نصف مريض. كانت
الثعابين تلتف على بعضها.. ثم كانت أشجار نخيل جميلة وبلوط ونبات أذن الحمل.. كل
زهرة وكل نبات كان له اسمه.. كل منها كانت حياة بشرية.. ما زال القلب البشري
يعيش.. هذا في الصين وذاك في (جرينلاند).. إلخ ..
دنت الأم المذعورة من النباتات فسمعت صوت دقات القلب
البشري، ومن بين الملايين عرفت قلب ابنها.
صاحت:
ـ "هذا هو!"
ومدت يديها إلى زعفرانة مريضة معلقة إلى جنب.
قالت العجوز:
ـ "لا تلمسي الزهرة! لكن قفي هنا، وحينما يعود
الموتـ وأنا بانتظاره. لا تدعيه يقطف الزهرة. هدديه بأنك ستفعلين الشيء ذاته
بالأخريات! سوف يخاف! إنه مسؤول عنها ولا يسمح لأحد بقطفها ما لم يأمر هو بذلك
.."
فجأة هبت ريح باردة فعرفت الأم الكفيفة أن الموت قد جاء.
قال:
ـ "كيف جئت هنا؟ وكيف سبقتني؟"
قالت:
ـ "أنا أم .."
مد الموت يديه الطويلتين إلى الزهرة الصغيرة، لكنها
اعتصرت يديه .. نفخ في يديها فسقطتا عاجزتين.. وقال لها:
ـ "لا يمكنك عمل شيء لي .."
ـ "الرب يستطيع.."
وبكت كثيراً.. ثم على حين غرة مدت يدها وأمسكت بزهرتين
جميلتين وصاحت:
ـ "سأمزق هاتين الزهرتين.. لأنني يائسة!"
صاح الموت:
ـ "لا تلمسيهما! أنت تقولين إنك تعسة.. لكنك تريدين
جعل أمين أخرتين تعستين!"
ـ "أم أخرى!"
قالتها ثم أطلقت الزهرتين..
قال الموت:
ـ "إليك عينيك ثانية.. لقد انتشلتها من البحيرة..
لم أعلم أنها لك.. خذيهما. إنها الآن أكثر لمعاناً من ذي قبل.
أنظري إلى البئر العميقة بقرب .. سأخبرك باسم الزهرتين
اللتين عدلت عن قطفهما، ولسوف ترين حياتيهما.. وسوف تعرفين ما كنت ستدمرين
.."
نظرت إلى البئر، فرأت كيف صارت إحدى الزهرتين نعمة للبشر
وسعادة تملأ كل مكان .. وكيف صارت الأخرى ألماً وشقاء ورعباً وتشرداً ..
قال الموت:
ـ "كلتاهما إرادة الله .."
سألته:
ـ "أيتهما الزهرة السعيدة وايتهما الزهرة تعسة
الحظ؟"
قال الموت :
ـ "هذا لن أخبرك به .. لكن دعيني أخبرك أن إحداهما
كانت تمثل مستقبل ابنك.. إن هذه الزهرة هي ابنك وأنت رأيت مستقبله!"
صرخت في رعب :
ـ "أيهما طفلي؟ قل لي! ارحم ابني البريء من كل هذه
التعاسة! خذه معك.. انسى دموعي! انسى كل ما فعلته!"
قال الموت:
ـ "لا أفهمك .. هل تريدين استعادة طفلك أم آخذه إلى
هناك حيث لا تعرفين؟"
ضربت الأم كفيها معاً وسقطت على ركبتيها ، ودعت الله :
ـ "إن إرادتك هي الأكثر حكمة يا الله! فلتكن
مشيئتك!"
وحنت رأسها في حجرها ، من ثم أخذ الموت طفلها وانطلق إلى
عالم مجهول.
No comments:
Post a Comment