Sunday, May 8, 2016

بائعة الثقاب الصغيرة




بارداً بشكل شنيع كان الجو.. لقد تساقط الجليد.. وكان الظلام شبه دامس.. والليلة آخر ليلة في العام. وفي وسط هذا البرد والظلام مضت في الشارع فتاة صغيرة فقيرة، عارية الرأس حافية القدمين. كانت تلبس خفين عندما غادرت منزلها.. هذا حق.. لكن ما فائدتهما؟ كانا كبيرين جداً لأنهما كان يخصان أمها. كانا كبيرين جداً وقد فقدتهما المخلوقة التعسة وهي تمشي عبر الشارع بسبب عربتين مسرعتين. 

 
لم تجد الخف الأول أما الآخر فقد تلقفه متسكع وجرى به. فكر أنه سيصلح مهداً لطفل لو رزق بواحد يوماً ما. لذا مشت الفتاة الصغيرة بقدميها العاريتين اللتين احمرتا وازرقتا من البرد. كانت تحمل بعض الثقاب في مريولة قديمة، وتحمل حزمة منها في يدها. لم يشتر أحد شيئاً طيلة اليوم، ولم يعطها أحد ربع بنس واحداً.
انحنت على نفسها ترتجف برداً وجوعاً.. صورة مجسمة للأسف.. يا للمسكينة الصغيرة!
غطت رقائق الجليد شعرها الأشقر الذي كان ينحدر في تجاعيد جميلة حول عنقها. لكنها لم تفكر في هذا الآن. من النوافذ كانت الشموع تضيء وثمة رائحة لذيذة تذكرك بالإوز المشوي.. لأن هذا كان رأس السنة .. نعم.. فكرت في هذا.
في ركن بين منزلين يبرز أحدهما للأمام أكثر، جلست وانكمشت على نفسها. ضمت قدميها الصغيرتين عليها، لكنها ازدادت برداً. ولم تجسر على العودة للبيت، لأنها لم تبع أي ثقاب ولم تحصل على ربع بنس. سوف يضربها أبوها والجو في البيت بارد كذلك؛ لأنه ما من شيء سوى السقف فوقها.. السقف الذي تصفر الريح عبره، برغم أنهم سدوا الشقوق الواسعة بالقش.
كانت يداها الصغيرتين قد فقدتا الإحساس من البرد. ربما يقدر لهيب ثقاب على إعطائها بعض الراحة، فقط لو تجاسرت على أن تاخذ واحداً من الحزمة وتحكه في الحائط وتدفىء أناملها به.. سحبت واحداً..
(ريشت!) .. يا للمتعة! ويا لروعة احتراقه! كان لهباً لامعاً دافئاً كالشمعة، وهي تضع يدها عليه. وللحظة خيل إليها أنها تجلس أمام موقد كبير حديدي مزدان بالنحاس البراق. لقد التهبت النار معطية تأثيراً سحرياً .. ومدت الفتاة قدميها لتدفئتهما كذلك، لكن اللهب انطفأ.. وتلاشى الموقد. لم يبق إلا بقايا الثقاب في يدها.
حكت عوداً آخر في الجدار فالتهب متوهجاً.. وإذ سقط نوره على الجدار بدا الجدار شفافاً كالخمار.. حتى أمكنها أن ترى ما بداخل الغرفة، وعلى المنضدة كان شرشف أبيض كالثلج، عليه طاقم مائدة من الخزف، والإوزة المشوية يتصاعد منها البخار، وهي محشوة بالتفاح والبرقوق المجفف. أما الأهم فهو أن الإوزة وثبت من الطبق، وركضت على الأرض بشوكة وسكين في صدرها، حتى وصلت إلى الفتاة البائسة. هنا انطفأ الثقاب، ولم يعد سوى الجدار الرطب السميك.. أشعلت عوداً آخر.. الآن هي واقفة تحت أجمل شجرة ميلاد. كانت أكبر وأجمل من أية شجرة رأتها من قبل في واجهة محل التاجر.
آلاف الأضواء تلمع على الغصون الخضر، مع صور مبهرة الألوان كالتي كانت تراها في نوافذ المتجر تنظر لها. مدت الفتاة يديها نحوها حينما انطفأ العود.
هنا ارتفعت أضواء شجرة عيد الميلاد لأعلى وأعلى.. ورأتها كالنجوم في السماء.. سقط أحدها راسماً أثراً من النار.
قالت الفتاة الصغيرة :
ـ "أحدهم قد مات .."
لأن جدتها .. الشخص الوحيد الذي أحبته، والتي ماتت منذ زمن قالت لها إن روحاً تصعد إلى بارئها إذا هوى نجم.
حكت عوداً آخر بالجدار، ومن جديد رأت الضوء.. وهناك كانت تقف جدتها.. متألقة لامعة.. وعلى وجهها تعبير حب فائق..
صاحت الصغيرة:
ـ "جدتي! خذيني معك! أنت ترحلين كلما انطفأ العود.. تختفين كالفرن الدافىء.. كالإوزة المشوية الشهية.. كشجرة عيد الميلاد     الفاتنة.."
وحكت حزمة الأعواد بسرعة على الجدار، لأنها أرادت أن تستبقي جدتها معها. توهجت الأعواد ببريق مبهر أكثر سطوعاً من الظهيرة، فلم تر جدتها من قبل أكثر بهاءً ولا طولاً. احتضنت الجدة الصغيرة وحلقتا سعيدتين لأعلى.. لأعلى .. فوق البرد والجوع والخوف.. لقد لحقتا بخالقهما.. 

لكن في ساعة الفجر الباردة، وفي الركن.. جلست الفتاة البائسة بخدين متوردتين وفم باسم منحنية على الجدار، وقد ماتت متجمدة في آخر ليلة من العام المنصرم. متصلبة متخشبة جلست الطفلة هناك بأعواد ثقابها، التي احترقت حزمة منها.
قال الناس:
ـ "أرادت أن تدفىء نفسها.. "
ولم يشك أحد في الأشياء الجميلة التي رأتها.. ولم يحلم أحد بالروعة التي دخلت بها مع جدتها مباهج عام جديد .

No comments:

Post a Comment