Sunday, May 8, 2016

ثياب الإمبراطور الجديدة




منذ أعوام عديدة كان هناك إمبراطور مولع للغاية بالثياب الجديدة؛ حتى إنه أنفق كل ماله على الثياب. لم يهتم البتة بجنوده ولم يبال بالذهاب إلى المسرح أو الصيد. فقط كان يختار المناسبات التي تتيح له أن يعرض ثيابه الجديدة. وكانت لديه حلة مختلفة لكل ساعة من اليوم، وكما اعتدنا أن نقول عن أي ملك أو امبراطور آخر : "إنه في المجلس" ، كان يقال عن هذا الإمبراطور: "إنه يجلس في خزانة الثياب" .
مر الزمن السعيد على المدينة الكبيرة التي كانت عاصمة إمبراطوريته، وكان الغرباء يأتون كل يوم إلى البلاط .. وذات يوم ظهر محتالان يطلقان على نفسيهما نساجين، وأعلنا أنهما يجيدان نسج ثياب باهرة الجمال متقنة التصاميم.. وأن الثياب التي ينسجانها تمتاز بأنها شفافة لا يراها إلا من كان غير صالح لمنصبه، أو كان ساذجاً إلى درجة تفوق الوصف. 
 
فكر الإمبراطور :
ـ "لابد أن هذه الثياب رائعة! لو كانت عندي حلة كهذه لأمكنني أن أعرف الموظفين الذين لا يصلحون لمنصبهم. ولأمكنني أن أميز الحكيم من الأحمق! يجب أن ينسجوا لي هذا النسيج حالاً.
وأمر بأن يمنح النساجان مبالغ هائلة من المال كي يبدءا العمل حالاً.
نصب النساجان المدعيان نولين وشرعا في العمل بانهماك شديد، برغم أنهما في الحقيقة لم يكونا يفعلان أي شيء .. طلبا أرقَّ أنواع الحرير وأنقى خيوط من ذهب ، فكانا يضعان هذه الأشياء في الحقيبتين على ظهريهما ، ثم يواصلان النسج حتى ساعة متأخرة ليلاً ..
قال الإمبراطور لنفسه :
ـ "أرغب في معرفة ما قام به النساجان في ثيابي" .
بعد قليل شعر بالحرج حينما تذكر أن المغفل أو الشخص غير الجدير بمنصبه لا يرى هذا النسيج. وكي يتأكد قرر أنه لن يخسر شيئاً لو جرب بنفسه، لكنه فضل أن يرسل شخصاً آخر يتحرى له عن النساجين وما يقومان به من عمل.
كان الجميع في المدينة قد سمعوا عن تلك الخاصية الفريدة للثياب، وتمنى كل واحد أن يرى مدى حكمة أو مدى جهل جيرانه.
قال الإمبراطور في النهاية بعد تدبر طويل :
"سأرسل وزيري المخلص العجوز إلى النساجين .. سوف يكون أفضل من يرى الثياب .. إنه رجل عاقل ذكي ولا يمكن أن يكون هناك شخص جدير بمنصبه أكثر منه" .
هكذا ذهب الوزير المخلص إلى القاعة حيث كان المحتالان يعملان بكل قوتهما، على النولين الفارغين.
فكر العجوز وهو يفتح عينيه عن آخرهما:
ـ "ما معنى هذا؟ لا أرى خيطاً واحداً على هذين النولين".
لكنه لم يعلن عن أفكاره بصوت عال.
طلب منه النصابان أن يتكرم بالدنوّ من النولين، ثم سألاه عما إذا كان التصميم يروق له، وعن رأيه في الألوان. قالا هذا وهما يشيران إلى النول الفارغ. نظر الوزير المسكين ونظر لكنه لم ير شيئاً على النولين، لسبب بسيط هو انه لم يكن هناك شيء . وفكر ثانية:
ـ "هل من المعقول أن أكون مغفلاً؟ لم أحسب نفسي هكذا قط .. ولا يجب أن يعرف أحد هذه الحقيقة الآن .. إذن أنا لا أصلح لمنصبي .. هذا لا يجب أن يقال كذلك .. لن أعترف بأنني لم أر القماش" .
تساءل أحد النصابين متظاهراً بأنه ما زال يعمل :
"حسن يا سيدي الوزير؟ لم تقل ما إذا كان القماش يروق لك" .
أجاب الوزير العجوز وهو ينظر للنول عبر عويناته :
ـ "آه إنه رائع .. التصميم والألوان .. سأخبر الإمبراطور بلا تأخير كم هي ثياب رائعة!" .
قال المحتالان :
"سوف نكون ممتنين لك" .
ثم راحا يصفان الألوان وتصامين الثياب المرتقبة. وراح الوزير العجوز يصغي بانتباه لما يقولان على أساس أن يقول هذا الكلام للإمبراطور، ثم طلب النصابان المزيد من الحرير والذهب لإستكمال ما بدءاه. لكنهما وضعا كل ما نالاه في حقيبتيهما. وواصلا العمل بذات الكد أمام النولين .
أرسل الإمبراطور الآن ضابطاً آخر من بلاطه ليرى ما حقق الرجلان، وليتأكد من قرب انتهاء الثياب، وقد فعل الرجلان مع هذا السيد ما فعلاه مع الوزير، لقد تفحَّص النولين فلم ير شيئاً إلا إطارات فارغة.
سأل النصابان مبعوث الإمبراطور الثاني وهما يقومان بذات الحركات:
ـ "هل تبدو الثياب جميلة في عينيك كما بدت لسيدي الوزير؟".
فكر المبعوث: ـ "أنا بالتأكيد لست أحمقا .. لكن من الجلي أنني غير مناسب لمنصبي الطيب المربح .. لا يجب أن يعرف أحد بهذا" .
هكذا راح يمتدح الثياب التي لا يراها، ويطري ألوانها وتصميمها. وقال للإمبراطور لدى عودته :
"الثياب التي يعدها النساجان يا صاحب الجلالة الإمبراطورية رائعة" .
راحت المدينة كلها تتكلم عن الثياب الرائعة التي طلب الإمبراطور أن تنسج له على حسابه.
الآن صار الإمبراطور نفسه مشوقاً إلى أن يرى الثياب الباهظة، وهي ما زالت على النول. ذهب إلى هناك مصحوباً بعدد من ضباط البلاط المختارين بينهم السيدان اللذان أعجبا بالثياب. فما إن شعر المحتالان بقدوم الإمبراطور حتى راحا يعملان بكد أكثر. برغم أنهما لم يمررا خيطاً واحداً في النول.
قال أحد الضابطين :
"أليس العمل رائعاً؟ لو تفضلت يا مولاي بالنظر إليه .. يا له من تصميم مذهل! يا للألوان المجيدة!" .
واشار إلى الأطر الفارغة. لأنهما حسبا أن الجميع قادرون على رؤية هذا العمل المتقن.
قال الإمبراطور لنفسه:
ـ "كيف هذا؟ لا أرى شيئاً! هذه مسألة فظيعة! أنا رجل ساذج أو لا أصلح لأكون إمبراطوراً؟ هذا أسوأ ما يمكن أن يحدث .. آه إن الثياب رائعة!" .
وبصوت عال قال:
"إنها قد ظفرت بإستحساني الكامل!" .
ونظر إلى النول الفارغ. لن يعترف تحت أية ظروف بأنه لم ير ما رآه الضابطان وامتدحاه. جاهد كل رجال الحاشية وحاولوا أن يروا شيئاً على النول، لكنهم لم يروا إلا ما رآه الآخرون، لكنهم صاحوا في عجب :
ـ "يا للجمال!"
ونصحوا جلالته بأن يصنع ثياباً جديدة من هذا القماش المذهب من أجل الموكب القادم. ودوى في كل مكان :
ـ "رائع! خلاب! ممتاز!"
وانتاب المرح الجميع .. وشارك الإمبراطور في الرضا العام وقدم شريط الفروسية للمحتالان كي يضعاه في عروتيهما، كما منحهما لقب السيدان النساجان.
قضى النصابان الليلة كلها قبل موعد الموكب، وأوقدا ستة عشر مصباحاً كي يرى الجميع مدة لهفتهما لإنهاء ثياب الإمبراطور الجديدة.
تظاهرا بأنهما يلفان الثوب ليرفعاه عن النول، وقصا الهواء بمقصيهما وخاطا الثوب بإبرة بلا خيط. وفي النهاية صاحا:
"ثياب الإمبراطور الجديدة جاهزة!"
الآن جاء الإمبراطور مع كبار بلاطه إلى النساجين، فرفع النصابان أذرعهما كأنما يحملان شيئاً. وقالا :
"هو ذا سروال جلالتكم. هو ذا الوشاح .. هي ذي العباءة .. إن الثوب خفيف كنسيج عنكبوت .. قد يتصور المرء أنه لا يضع ثوباً فوقه ولكن هذه مزية هذا الثوب الرقيق" .
قال رجال البلاط برغم أن أحدهم لم ير هذا الثوب الخلاب :
ـ "نعم .. بالفعل" .
ـ "لو تفضلتم جلالتكم بخلع ثيابكم .. سوف نضع الثياب الجديدة عليك أمام المرآة .."
من ثم نزع الإمبراطور ثيابه وتظاهر المحتالان بأنهما يكسونه بالثياب ، والتفت الإمبراطور من جانب لآخر المرآة ,
صاح الجميع :
ـ "ما أروع مظهر جلالتكم في الثياب الجديدة، وكم تناسبكم! يا له من تصميم .. يا لها من ألوان! إنها ثياب ملكية بحق" .
قال رئيس المراسم :
ـ "إن المظلة التي ستظل جلالتكم في الموكب بانتظاركم" .
قال الإمبراطور :
ـ "أنا متأهب .. هل ثيابي الجديدة مناسبة؟"
قالها وهو يدور حول المرآة كأنما هو يتفحص الثياب بدقة .
انحنى الوصيفان اللذان كانا سيحملان حاشية جلالته على الأرض، كأنما هما يرفعان طرفي العباءة ، وتظاهرا بأنهما يحملان شيئاً، فما كان أحدهما ليكشف عن غبائه أو عدم أهليته لمنصبه .
مشى الإمبراطور تحت مظلته العالية وسط الموكب، عبر شوارع العاصمة ووقف الناس جميعاً ..
وصرخ من في النوافذ:
ـ "آه! ما أجمل ثياب إمبراطورنا الجديدة! لشد ما يتدلى هذا الوشاح في روعة!"
باختصار لم يجسر أحد على الاعتراف بأنه لم ير هذه الثياب، لأنه لو اعترف بهذا لاعترف كذلك بأنه غبي أو غير جدير بمنصبه. لم يحدث أي ثوب للإمبراطور ما أحدثته هذه الثياب غير المرئية .
قال طفل صغير:
ـ "لكن الإمبراطور لا يلبس شيئاً!"
صاح أبوه:
ـ "أصغوا لصوت البراءة!"
وسرعان ما تهامس الناس بما قاله الطفل.
في النهاية صاح الناس:
ـ "لكنه لا يلبس شيئاً!"
شعر الإمبراطور بالغيظ .. لأنه كان يعرف أن الناس محقون، لكنه قرر أن الموكب يجب أن يستمر! وبذل الوصيفان جهداَ أكبر كي يبدو أنهما يحملان حاشيته، برغم أنه في الواقع لم تكن هناك عباءة يمسكان بها.

No comments:

Post a Comment