Sunday, May 8, 2016

مربي الخنازير




كان هناك أمير فقير لديه مملكة. وكانت مملكته صغيرة جداً لكنها كانت كبيرة بما يكفي للزواج، وقد كان الأمير يصبو لهذا.
كان من الفظاظة بمكان أن يقول لابنة الإمبراطور: "هل تأخذينني لك؟" لكنه فعل ذلك؛ لأنه كان شهيراً وكانت هناك مائة أميرة يمكن أن تجيب بالموافقة، وتقول: "شكراً لك" لكن دعنا نسمع بِمَ أجابته تلك الأميرة. 

استمع!
الحكاية أنه حيث دفن والد الأمير، كانت هناك شجرة ورد.. شجرة ورد رائعة الجمال تزهر مرة كل خمسة أعوام، وعندها لا تزهر إلا وردة واحدة.. لكن أية وردة!! كانت رائحتها رائعة لدرجة أن كل من يشم عبيرها كان ينسى همومه وآلامه. وبالإضافة لهذا كان لدى الأمير عندليب يمكنه الغناء بطريقة تشعر معها بأن كل الألحان العذبة تحتشد في حنجرته.
لهذا كان على الأمير أن يتخلى عن شجرة الورد والعندليب.. وكان عليه أن يضعهما في علبتين فضيتين كبيرتين ويرسلهما إليها. طلب الإمبراطور أن يجلبا إليه في القاعة الكبرى، بينما الأميرة تلعب لعبة (الزيارة) مع سيدات البلاط.. فلما رأت العلبتين والهدايا فيهما صفقت في جذل.
قالت:
ـ "آه لو لم تكن هذه إلا قطة صغيرة!"
لكن شجرة الورد بوردتها الجميلة ظهرت للعيان.
صاحت كل سيدات البلاط:
ـ "آه !!!! ما أجمل صنعها!"
قال الإمبراطور:
ـ "هي أكثر من جميلة .. إنها فاتنة!"
لكن الأميرة لمستها وبدا كأنها موشكة على البكاء.
ـ "يع يا بابا! إنها غير مصنوعة على الإطلاق.. إنها طبيعية!"
ـ "دعينا نر ما في العلبة الأخرى قبل أن نتضايق.."
من ثم خرج العندليب وغنى بصوت رخيم حتى إن أحداً لم يستطع في البداية أن يقول شيئاً عنه.
هتفت السيدات:
ـ "سوبيرب! شارمان!"
فهن كن معتادات الحديث بالفرنسية.. وقال فارس عجوز:
ـ "هذا العندليب يذكرني بالصندوق الموسيقي الذي كان عند إمبراطورتنا رحمها الله، إنها نفس النغمات ونفس الأداء!"
قال الإمبراطور:
ـ "نعم.. نعم.."
وبكى كطفل عندما تذكر زوجته، فقالت الأميرة :
ـ "ما زلت آمل ألا يكون طائراً حقيقياً"
قال من جلبوه:
ـ "بل هو طائر حقيقي.."
قالت الأميرة:
ـ "إذن دعوه يطير.."
ثم أبت بإصرار أن ترى الأمير.
لكنه لم يفقد حماسه.. صبغ وجهه باللونين البني والأسود وجذب القلنسوة على أذنيه، ثم طرق بابها. وقال:
ـ "نهارك سعيد يا سيدي الإمبراطور.. هل لي أن أجد عملاً في قصرك؟"
قال الإمبراطور:
ـ "نعم حقاً.. أريد من يعنى بالخنازير لأن لدينا الكثير منها.."
وهكذا تم تعيين الأمير في وظيفة (راعي الخنازير الإمبراطورية)، وصارت له غرفة قذرة صغيرة جوار حظيرة الخنازير. وهناك راح يمضي اليوم كله يعمل، وعند المساء صنع وعاء طهي صغيراً جميلاً. وعلق أجراساً صغيرة من حوله، وحينما كان الإناء يغلي كانت الأجراس تدق بطريقة خلابة، وتعزف اللحن القديم:
"واعزيزتي (أوجستين).. كل شي ضاع.. ضاع.. ضاع.."
والأغرب أن من يضع إصبعه في دخان الوعاء، كان يشم على الفور رائحة الطعام الذي يطهى على كل موقد في المدينة. كان هذا كما ترى يختلف تماماً عن الوردة.
تصادف الآن أن الأميرة مشت في هذا الطريق وحين سمعت اللحن، وقفت متصلبة وبدا عليها السرور. لأنها كانت تجيد عزف (واعزيزتي أوجستين) .. كانت تلك هيالمقطوعة الوحيدة التي تستطيع عزفها وكان هذا بإصبع واحدة.
قالت الأميرة:
ـ "هذه مقطوعتي .. لا بد أن مربي الخنازير هذا حسن التربية! أدخلوا وسلوه عن ثمن هذه الآلة.."
من ثم يجب أن تدخل إحدى نساء البلاط إليه، لكن لا بد أولاً من أن تضع في قدميها خفاً خشبياً، وسألته:
ـ "ماذا تريد مقابل وعاء الطهي؟"
قال مربي الخنازير:
ـ "سآخذ عشر قبلات من الأميرة.."
ـ "آه .. حقاً.."
ـ "لن أتخلى عنه بثمن أقل من هذا .."
قالت الأميرة:
ـ "إنه لشخص وقح!"
ثم واصلت طريقها، لكن ما إن ابتعدت حتى رنت الأجراس بصوت عذب:
"واعزيزتي (أوجستين).. كل شيء ضاع.. ضاع.. ضاع .."
قالت الأميرة:
ـ "انتظري.. سليه إن كان يقبل عشر قبلات من سيدات البلاط.."
قال مربي الخنازير:
ـ "لا شكراً.. عشر قبلات من الأميرة أو أحتفظ بوعاء الطهي.."
قالت الأميرة:
ـ "هذا لم يكون.. لكن هلا وقفتن أمامي حتى لا يرانا أحد؟"
هكذا وقفت سيدات البلاط أمامها وفردن ثيابهن، وهكذا نال المربي عشر قبلات.
كان هذا جميلاً.. لقد ظل الوعاء يغلي طيلة الليل واليوم التالي. هكذا عرفا ما يطهى على كل نار في المدينة. من دار حاجب الملك إلى بيت الإسكافي، وراحت نساء البلاط يرقصن ويصفقن.
ـ "نحن الآن نعرف من لديه حساء ومن أعد كعكاً للعشاء.. من سيطهو (الكستليتة) ومن سيطهو بيضاً.. ما أمتع هذا!"
أما مربي الخنازير.. أعني الأمير لأن أحداً لم يعرف عنه إلا أنه مربي خنازير.  فلم يترك يوماً دون عمل. في النهاية صنع (شخشيخة) حينما تهزها تسمع كل موسيقى الفالس والجيج التي سمعها الناس منذ خلق العالم.
قالت الأميرة حينما مرت بالمكان:
ـ "هذا رائع! لم أسمع قط موسيقى بهذا الجمال ..
ادخلن واسألنه عن ثمن هذه الأداة لكن تذكرن : لا مزيد من القبلات.."
عادت المرأة التي دخلت لتسأل قائلة لها:
ـ "يريد مائة قبلة من الأميرة!"
قالت الأميرة:
ـ "أحسبه ليس بكامل قواه العقلية.."
ثم واصلت طريقها، لكن ما أن ابتعدت حتى توقفت وقالت:
ـ "على المرء أن يشجع الفن.. فأنا ابنة الإمبراطور.. قلن له إن بوسعه أخذ عشر قبلات مني والباقي من سيدات البلاط.."
قلن:
ـ "آه.. لكننا لا نحب هذا البتة.."
سألتهن:
ـ "فيم تغمغمن؟ لو استطعت أنا أن أقبله فهذا بوسعكن.. تذكرن أنكن مدينات لي بكل شيء.."
لهذا اضطرت النسوة إلى الدخول.
قال المربي:
ـ "مائة قبلة من الأميرة وإلا فلتبق كل واحدة قبلاتها لنفسها.."
قالت للنسوة:
ـ "قفن من حولنا.."
ومن جديد تكرر ما حدث.
قال الإمبراطور:
ـ "ما سر هذا الزحام حول حظيرة الخنازير؟"
كان قد خرج من الشرفة صدفة، وفرك عينيه ووضع عويناته.
ـ "إنهم نساء البلاط.. سأذهب لأرى ما هنالك.."
فما إن وصل إلى الساحة مشى بسرعة، وكانت النسوة منهمكات بعدّ القبلات حتى يتأكدن من أمانة الصفقة حتى إنهن لم يشعرن بقدوم الملك. لقد وقف على أطراف أصابع قديمه .
وحينما رأى ما يدور صاح:
ـ "ما هذا؟"
وصفع أذن الأميرة بخفّة، بينما مربي الخنازير يتلقى القبلة السادسة والثمانين.
جن جنون الإمبراطور وصاح:
ـ "ابتعدا!"
وطرد الأميرة ومربي الخنازير من المدينة.
وقفت الأميرة وبكت فانهمر المطر:
ـ "واحسرتاه! يا لي من مخلوقة تعسة! لو تزوجت فقط ذلك الأمير الوسيم! يا لتعاستي!"
دخل مربي الخنازير وراء شجرة، وأزال الألوان عن وجهه وتخلص من ثيابه القذرة، ثم خرج بثيابه الأميرية، فبدا نبيلاً حتى إن الأميرة لم تستطع ألا تنحني له.
قال لها:
ـ "جئت كي أحقر من شأنك.. لن تظفري بأمير كريم.. فأنت لم تستطيعي معرفة القيمة الحقيقية للوردة ولا للعندليب .. لكنك رضيت أن تقبّلي مربى خنازير من أجل ألعاب تافهة بلا قيمة.. لقد نلت جزاءك.."
ثم عاد لمملكته الصغيرة وأوصد باب قصره في وجهها.
الآن صار بوسعها أن تغني:
ـ "واعزيزتي (أوجستين) .. كل شيء ضاع.. ضاع.. ضاع!!"

No comments:

Post a Comment